مفهوم اليسر

يُسْرٌ " أي سهلٌ سَمْحٌ قليل التشديد .

أما في الاصطلاح : فهو تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، من غير تشدُّد يُحرِّم الحلال ، ولا تميُّع يُحلِّل الحرام .

ويدخل تحت هذا المسمى السماحة والسعة ورفع الحرج وغيرها من المصطلحات التي تحمل المدلول نفسه .

وسنتحدث عن اليسر والسماحة في ضوء العناصر الآتية :

أولاً - الدين الإسلامي قائم على اليسر والسماحة

إن الدين الإسلامي بمجمله قائم على اليسر ورفع الحرج ابتداء من العقيدة وانتهاء بأصغر أمور الأحكام والعبادات بشكل يتوافق مع الفطرة الإنسانية وتتقبله النفس البشرية من غير تكلف أو تعنت ، وهذا ما أشار إليه الله تعالى في مواطن كثيرة من كتابه العزيز منها قوله تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وقوله أيضًا : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقوله عز وجل : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا .

وتلت هذه الآيات الكريمات السنة النبوية بأحاديث كثيرة تحمل معاني اليسر في أمور الدين وعدم التنطع والتشدد في العبادات والطاعات ، فقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى أن من أهم ما تميزت به رسالة الإسلام عن غيرها من الرسالات السماوية السابقة هي السماحة واليسر كما في قوله صلى الله عليه وسلم : إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة .

والمتمعن في السيرة النبوية يجد أن سلوك النبي صلى الله عليه وسلم وتعامله مع صحابته مبني على منهج التيسير والسماحة ، والشواهد أكثر من أن تعد أو تحصى ، ولكن نكتفي بسرد حادثة وقعت لأحد الصحابة وجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، يريد مخرجًا لها وهو صحابي فقير لا يملك قوت يومه ، وهي تغني عن جميع ما كان يقع للصحابة من إحراجات .

يقول أبو هريرة رضي الله عنه : بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله هلكت ، قال : ما لك؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال : لا ، فقال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال : لا ، قال : فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر - والعرق : المكتل - قال : أين السائل ؟ فقال : أنا ، قال : خذها فتصدَّق بها فقال الرجل : أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال : أطعمه أهلك .

ثالثًا - مجالات التيسير والسماحة في الإسلام

إن الإسلام كله كما سبق في تشريعاته سهولة ويسر كما قال تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وهنا نذكر بعض المجالات التطبيقية في العقيدة والعبادات والمعاملات والعقوبات ، فمنها :

1 - في العقيدة


تميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان والعقائد بوضوح العقيدة وسهولة الإيمان بالله تعالى ، حيث أمر الناس بعبادة الله وحده ، وأنه الإله الواحد الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوًا أحد ، بيده ملكوت السموات والأرض ، لا معبود سواه ، وأنه لا وساطة بين العباد وخالقهم ، ولا شركاء معه ، فليس في العقيدة الإسلامية ألغاز لا يعرفها إلا فئة من الأحبار والرهبان ، وليس فيها غموض وغبش كما في العقائد الأخرى من تجزئة الواحد إلى ثلاثة ، وليس فيها استهانة بالعقل الإنساني ليعبد أحجارًا وأشخاصًا وحيوانات كما في البوذية وغيرها ، وإنما هي عقيدة في غاية من اليسر والسماحة ، فَهِمَها الأعرابي الذي يعيش في الصحراء حينما قال : البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، فليل داج ، وسماء ذات أبراج ، ألا يدل على الواحد القهار ، أو كما قال .

ومعلوم أن الغموض وعدم الفهم في العقيدة يوقع الإنسان في الحرج والضيق ، ويهوي به إلى الضلالات والشركيات ، فلا يعرف ربه المعرفة السليمة ، ولا يعرف سبيل الوصول إليه إلا من خلال الوسائط ، بشرًا كانوا أم حجرًا أم خشبًا ، فيأخذ تصورًا فاسدًا عن الله تعالى ، فتتلوث أعماله بهذا التصور ، وتتطاير في الهواء هباء منثورًا كما قال الله تعالى : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا .

هذا في جملة التصور العقدي وهو كذلك في جزئيات العقيدة كأركان الإيمان الستة .

2 - في العبادات


يظهر مبدأ اليسر والمسامحة جليًّا في العبادات أكثر من غيرها من أمور الدين ، حيث إنها سلوك ظاهر ، فجميع العبادات قائمة على هذا المبدأ الذي خصّ الله تعالى به هذه الأمة من غيرها من الأمم ، المفروضة منها والنوافل ، يقول عليه الصلاة والسلام : عليكم بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا .

ويمكن أن نشير إلى بعض هذه المظاهر في العبادات الآتية :

أ - في الطهارة :
يظهر مبدأ اليسر والمسامحة في الطهارة واضحًا لأنه المدخل إلى العبادات ، واليسر فيها أمر ضروري ، لأن المسلم يتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات ، ويغتسل من الجنابة كذلك ، ويتعرض لبعض النجاسات هنا وهناك ، فإن الشدة في الطهارة توقعه في الضيق والحرج ويجعل نفسه تمل من العبادة نفسها فضلا عن الطهارة ، كما هي حال كثير من المصابين بالوسوسة أثناء الوضوء أو الطهارة أو وقوع بعض النجاسات على الثوب وغيرها ، وهذا ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو جزء من سماحة هذا الدين ويسره ، وفضل من الله - تعالى - على عباده ليندفعوا نحو الطاعة وأداء العبادات بالصورة المطلوبة ، حيث يقول عليه الصلاة والسلام في طهارة الماء : إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه .

ويقول عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر : هو الطهور ماؤه الحل ميتته .

ويتبين يسر هذا الدين في الطهارة من قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فقام الناس ليقعوا به ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه وهريقوا على بوله سَجْلا من ماء أو ذَنوبًا من ماء ، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين .

ومن اليسر في الطهارة أيضًا إذا تعلقت قذارة بالنعلين فإن مسحهما بالأرض يطهرهما لقوله عليه الصلاة والسلام : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما .

ومن يسر هذا الدين في الطهارة أن النجاسة الواقعة على الثوب تزال بالماء وهذا فيه يسر كبير إذا قورن بما كانت عليه بنو إسرائيل من قبل حيث كانوا يكلفون بقص ما أصيب بالنجاسة من الثوب .

وصور اليسر والسماحة في التطهير ، لا نستطيع حصرها في هذا المقام .

ب - في التيمم :
ومن اليسر في هذا الدين أن المسلم إذا لم يجد ماء ليتوضأ به أو كان به مرض أو جرح لا يستطيع أن يتوضأ بالماء ، فله أن يتيمم بالتراب ، فضلا من الله تعالى وتسهيلا عليه ، لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .

بخلاف ما كانت عليه الشرائع السابقة ، حيث لا تقبل صلاة من غير تطهر بالماء .

وجاء تأكيد هذا الأمر في السنة النبوية في قوله عليه الصلاة والسلام : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة .

ج - في الصلاة :
ويمكن بيان بعض صور التيسير في الصلاة من خلال النقاط الآتية :

- أن فرضيتها خمس مرات في اليوم والليلة ، فلا تأخذ وقتًا طويلًا ، ولا تشغل الإنسان عن أداء أعماله اليومية ، وإنما هي لقاءات مع الله تعالى يجدد فيها المؤمن العهد مع ربه على الطاعة والاستقامة والصلاح ، وقد فرضت في البداية خمسين صلاة عند المعراج بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم صارت خمس صلوات بأجر خمسين صلاة ، وفي ذلك سماحة ورحمة .

- مشروعية الجمع والقصر في الصلاة أثناء السفر أو المطر أو المرض ، وذلك للظروف التي يمر بها الإنسان في هذه الحالات من قلة في الماء أو البرد أو خوف من الطريق أو زيادة في المرض ، لذلك جعل الإسلام فيه الصلاة بشكل آخر يتناسب مع هذه الظروف فأجاز له الجمع والقصر ، حيث قصرت الصلوات الرباعية إلى ركعتين فقط .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة .

ويتغير وضع الصلاة وكيفيتها كذلك في حالة الخوف في الحرب أو هجوم سبع أو سيل أو نحوه ، ويسهل أمرها وتقصر ، لما في ذلك من مصلحة على المسلمين وحماية لهم من عدوهم الذين قد يغدرون بهم أثناء الصلاة ، وتسمى هذه الصلاة بصلاة الخوف ، قال تعالى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا . ثم ذكرت في الآية الآتية كيفية أداء هذه الصلاة على دفعتين .

وهناك أحاديث وشواهد كثيرة بشأن قصر الصلاة ، وذلك لوجود ظروف يصعب معها القيام بأداء هذه الصلوات كما هي في الأحوال الطبيعية .

- جواز الصلاة في أي مكان من الأرض ، حيث لم تكن جائزة عند الأمم السابقة إلا في المعابد والصوامع ، يقول عليه الصلاة والسلام : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة .

- تخفيف الصلاة وعدم الإطالة فيها ، لأن صلاة الجماعة تجمع بين الصغير والكبير والمريض ، فينبغي مراعاة ذلك ، وهذا ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يحذر أصحابه منه ، يقول جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه : أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة أو النساء فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ، أفتان أنت أو أفاتن ثلاث مرار فلولا صليت بسبح اسم ربك والشمس وضحاها والليل إذا يغشى فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة .

ويقول عليه الصلاة والسلام : إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي ، كراهية أن أشق على أمه .

- رفعت الصلاة عن الحائض والنفساء ، ولا تقضى بعد الطهر ، وهذا يسر ولطف على المرأة ، حيث تعاني في فترة الحيض والنفاس آلامًا ودماء ، يصعب معها الصلاة ، وقد تطول هذه المدة فيشق القضاء ، فجاءت الرحمة الربانية على المرأة بهذا التيسير ، ولم يطلب منها قضاء تلك الصلوات الفائتة عنها بعد ذلك .

- مشروعية سجود السهو لجبر الخلل الذي يحصل في الصلاة ، ولم تطلب إعادتها .

كل هذا اليسر وهذه السماحة جاءت في الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين وهو الصلاة التي هي أعظم الأعمال العملية ، وفي هذا شاهد كبير ودليل ناصع على يسر هذا الدين وسماحته في العبادات .

د - في الزكاة :
وتتبين مظاهر اليسر والتسهيل في أداء فريضة الزكاة من خلال الأمور الآتية :

- أنها لم تأت على جميع الممتلكات والعقارات والأموال ، وإنما اقتصرت على بعض الأصناف مثل : بهيمة الأنعام ، والأثمان ، والزروع ، وعروض التجارة .

- ثم أنه يشترط في الأصناف التي تجب فيها الزكاة أن تبلغ النصاب ، وهي في الفضة مائتي درهم ، وفي الذهب عشرين مثقالا ، وسائمة الإبل عن خمس ، والبقر عن ثلاثين ، والغنم عن أربعين ، والحبوب والزروع والثمار عن خمسة أوسق . وقد أوضحت ذلك الأحاديث الكثيرة .

- ومن يسر الإسلام أيضًا في أداء هذه الفريضة أنه لم يجعل دفع الزكاة إلا مرة واحدة في السنة ، وذلك بعد أن يحول عليه الحول .

- ومن ذلك أن مقدار المال الواجب دفعه للزكاة قليل جدًّا بالنسبة للمال الذي يوجب فيه الزكاة ، بحيث لا يؤثر فيه كثيرا ، ولا يتأثر بذلك صاحبه .

هذا فضلا عن كيفية تعامل الإسلام مع زكاة الزروع ، حيث أوجب العشر في التي تسقى بماء المطر ، ونصف العشر بالتي تسقى بالنضح والآبار ، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر .

إن مثل هذه الشروط والأوصاف للزكاة يجعل صاحب المال يسارع إلى إخراج زكاة ماله عن طيب نفس ، دون ضجر أو ملل أو تثاقل .

هـ - في الصيام :
ويمكن سرد بعض صور التيسير في فرضية الصيام من خلال بيان النقاط الآتية :

- أن الصيام لم يفرض إلا في شهر واحد من السنة وهو شهر رمضان ، لقوله تعالى : أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ . وهذا تيسير وسعة في زمن هذا الفرض ، يستطيع المؤمن أداءه بصورة مقبولة من غير عنت ولا مشقة .

- أن وقت الصيام من الفجر إلى غروب الشمس ، ولا يجوز الزيادة في هذا الوقت ، من أجل ذلك نهي عن صوم الوصال وهو وصل صيام يومين أو ثلاثة متتاليات ، لما في ذلك من مشقة وعنت على النفس ، وخطورة على الإنسان ، يقول عليه الصلاة والسلام : لا وصال يعني في الصوم .

- من أفطر خطأً أو ناسيًا فإنه يكمل صومه ، ولا حرج عليه ، فإنما أطعمه الله وسقاه ، يقول عليه الصلاة والسلام : من أكل ناسيا وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه .

- جواز الإفطار عند السفر أو المرض ، لقوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .

- أن من لم يستطع الصوم يقضي أو يطعم إن لم يستطع القضاء .

و - في الحج :
تتضح صور السماحة في الحج من خلال النقاط الآتية :

- الاستطاعة في الزاد والراحلة ، وأن لا يكون عليه دين أو التزام مالي آخر من حقوق الآخرين ، لقوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا .

- وجوبه في العمر مرة واحدة ، لأن فيه المشقة والعناء ، فيصعب على المؤمن أن يؤديه كل عام ، يقول أبو هريرة رضي الله عنه : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ، ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه .

- التخيير بين المناسك الثلاثة : التمتع ، والقران ، والإفراد .

- التخيير في الترتيب بين الأعمال الثلاثة يوم العيد ، الرمي والحلق والطواف ، وهذا فيه تيسير على الحاج الذي يعاني من زحمة الناس والمواصلات والأسفار ، يقول ابن عباس رضي الله عنهما : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم زرت قبل أن أرمي ، قال : لا حرج . قال آخر : حلقت قبل أن أذبح قال : لا حرج . قال آخر : ذبحت قبل أن أرمي ، قال : لا حرج .

ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - في رواية مسلم : فما رأيته صلى الله عليه وسلم سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعلوا ولا حرج .

- كل خلل في واجبات الحج من غير قصد يجبر بفدية ، وحجه صحيح إذا كان القصور من هذا الوجه فقط .

- ومن اليسر والسماحة في هذا الركن المبارك ، أن الله - تعالى - جعله سببًا لمغفرة الذنوب والخطايا ، وقد وعد الرسول صلى الله عليه وسلم الحاج بالجنة وأنه يرجع كيوم ولدته أمه ، وصفحته بيضاء ناصعة خالية من السيئات والذنوب : من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه . ويقول أيضًا : والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة .

وقد جعله الله - تعالى - من الأعمال الفاضلة التي تلي الإيمان بالله والجهاد في سبيله ، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل ؟ قال : ( إيمان بالله ورسوله ) . قيل : ثم ماذا؟ . قال : ( ثم جهاد في سبيل الله ) . قيل : ثم ماذا؟ قال : (حج مبرور .

 

 

4 - في المعاملات


لم يقتصر التيسير في الإسلام على العقيدة والعبادة بل تعداه إلى المعاملات التي تأخذ مساحة واسعة من حياة الإنسان العملية ، فالتجارة والصناعة والزراعة والتعليم وغيرها ، يدخل جميعها تحت مظلة المعاملات ، والناس في المعاملات أكثر عرضة للمعاصي والآثام ، لأن المحرك لها هو المال ، ومعلوم مدى تأثير المال في نفس الإنسان وطباعه وسلوكه ، لذلك كانت النصوص القرآنية والنبوية تترى في اتباع التيسير والمسامحة في المعاملات ، يقول عليه الصلاة والسلام : رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى .

ويقول أيضًا : من أقال مسلما أقاله الله عثرته يوم القيامة .

ويمكن بيان بعض صور التيسير في المعاملات من خلال المحاور الآتية :
أ - ففي البيع أجاز الإسلام للمتبايعين الخيار في عدد من المواضع كما إذا كانا في مجلس البيع ، رفعا للحرج الذي قد يقع فيه أحدهما ، لأنه ربما يحصل ضرر كبير إذا تم هذا العقد ، يقول عليه الصلاة والسلام : إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع .

ب - ثم إن هذا الدِّين حرم الربا الذي فيه ظلم للناس واستغلال لظروفهم ، وسبب في إفشاء الفقر والغنى الفاحشين ، وسبب لزرع الأحقاد والضغائن بين أبناء المجتمع الواحد ، فحرم الله الربا وأباح القرض الحسن ، يقول الله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ . ويقول جل ثناؤه : وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا .

ج - كما حرم هذا الدين احتكار الطعام والسلع واحتجازها في وقت تشتد حاجة الناس إليها ، يقول عليه الصلاة والسلام : لا يحتكر إلا خاطئ .

ويقول عليه الصلاة والسلام : من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقا على الله - تبارك وتعالى - أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة .

د - التيسير على المدين المعسر : وهو مبدأ عظيم جاء به الإسلام ، رحمة بحاله وتقديرًا لظروفه القاسية ، وهو عنصر قوي من عناصر التكافل الاجتماعي بين أبناء الأمة ، حيث يجعل من المجتمع وحدة متينة ، قائمة على الحب والوئام ، والتعاون والتراحم ، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .

إن هذا المبدأ المبارك في التيسير على المدين المعسر يفتقده العالم المعاصر في ظل هذا التطور الحضاري الهائل ، ومع وجود الجمعيات العالمية الكبرى التي تعنى بشؤون الإنسان وحرياته وحقوقه ، وهو وصية الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعة عشر قرنًا لأصحابه وللأمة من بعدهم في قوله : من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه .

ويقول عليه الصلاة والسلام في قصة رجل من الأمم السابقة كان يتجاوز عن المعسرين : كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه .

5 - في العقوبات


لقد تميزت الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع والقوانين في التشريع الجنائي ووضع العقوبات المناسبة لأفعال الناس التي تضر بالأنفس والأموال والأعراض وغيرها ، حيث أضفت الشريعة على هذه العقوبات ألوانًا من السماحة واليسر ، بحيث تتقبلها النفس الإنسانية في كل أحوالها بل تطالب بها إذا وقعت مثل تلك الأفعال ، ويمكن أن نبين هذه السماحة والسعة من خلال بيان عقوبتين فقط ، وهما :

أ - عقوبة قتل النفس :
إن قتل النفس بغير حق يعد من أكبر الجرائم وأعظمها عند الله تعالى ، يقول الله عز وجل : وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .

وقد جعل الله - تعالى - قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعًا ، وإحياء نفس بمثابة إحياء لجميع الناس ، يقول الله تعالى : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا .

ويقول عليه الصلاة والسلام : لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم .

فقتل النفس فعل شنيع وجريمة عظيمة ، لا بد أن يكون له عقاب يتناسب مع هذا الجرم والفعل ، فكان حكم الله القتل مقابل القتل ، لقوله عز وجل : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ .

ويظهر يسر الإسلام وسماحته في تطبيق العقوبة على القاتل من خلال النقاط الآتية :

- لا يؤخذ أحد بجريرة أحد ، أي أنه لا يعاقب إلا القاتل نفسه ، وليس لأهله وذويه وقبيلته شأن في فعله وتطبيق العقوبة عليه ، بدون تعسف أو تعد ، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية ، حيث كانت تشب حروب وتنتهك أعراض ، ويقتل بالرجل أكثر من الواحد ، كلها بسبب جريمة قتل وقعت لأحد أفرادهم ، لقوله عز وجل : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا .

- إن من يسر الإسلام وسماحته أن جعل المجال مفتوحًا أمام ولي أمر المقتول وخيره بين إحدى ثلاث : القصاص أو الدية أو العفو ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من أصيب بدم أو خبل (الخبل الجراح) فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو ، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه فإن فعل شيئا من ذلك ثم عدا بعد فقتل فله النار خالدا فيها مخلدا .

- ومن يسر الإسلام أيضًا وسماحته قبل تطبيق هذه العقوبة أنه يغري أهل المقتول بما عند الله تعالى ، إذا تجاوزوا عن القاتل وعفوا عنه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ما عفا رجل إلا زاده الله به عزا ولا نقصت صدقة من مال ولا عفا رجل قط إلا زاده الله عزا .

وكان هذا شأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ، فقد روي أن رجلا من قريش كسر سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية فقال القرشي : إن هذا دق سني . قال معاوية : كلا إنا سنرضيه . قال فلما ألح عليه الأنصاري قال معاوية شأنك بصاحبك ، وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه بها خطيئة قال فقال الأنصاري : أأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ . قال : نعم سمعته أذناي ووعاه قلبي يعني فعفا عنه .

- من سماحة الإسلام ويسره أنه اشترط في جواز تطبيق القصاص اتفاق أولياء الدم جميعا على هذا القصاص ، فإذا وُجد من بينهم من عفا عن القاتل وإن كانت امرأة فإن الحكم يسقط ، ويمنع القصاص .

وكذلك إذا كان من بين أولياء الدم من لم يبلغ سن التمييز أو كان غائبًا ، فإنه ينتظر بلوغه أو عودته من غيبته لأخذ رأيه ، فإن عفا عن الجاني فإن الحكم يسقط ، وقد يأخذ ذلك سنينًا وأعوامًا ، وفي ذلك حكمة ربما ينسى هؤلاء الأولياء حنقهم على دمهم وتتخفف الوطأة عليهم ، فيكون العفو حينها أقرب إلى القصاص .

ب - عقوبة الزنا :
وجريمة الزنا من الجرائم الأخلاقية التي تفسد الأسر والمجتمعات وتضيع الأنساب وتفشي الضغائن والأحقاد ، لذلك كانت هذه الجريمة من الكبائر التي توعد الله فاعلها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، لقوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ .

وعقوبة الزاني الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن ، وفي هذا يسر وسماحة ، وذلك بتناسب العقوبة مع طبيعة الزاني نفسه ، فالزاني الثيب أعظم جرمًا من الزاني غير المحصن ، لذلك جاءت عقوبته أقسى وأشد وهي الرجم .

ومن يسر الإسلام وسماحته في إنفاذ العقوبة على الزاني أنه طلب شهادة أربعة أشخاص على الفاحشة ، وهذا من باب التحري الزائد ، وتجنبًا لتطبيق العقوبة ، وحتى لا يقع الناس في أعراض غيرهم ، ليس هذا فحسب وإنما حدد عقوبة للذي يقذف الآخرين ويتهمهم بالزنا من غير أن يحضروا أربعة أشخاص فحينها ينال عقوبة القذف ، يقول الله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .

ومن أجل إقرار هذا المبدأ لدى الأمة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحاول تجنب تطبيق حد الزاني ، أو يوجد للمعترف بالزنا أعذارًا لعله يتراجع عن اعترافه ، فقد أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه فقال : يا رسول الله ، إني زنيت . فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبك جنون ؟ . قال : لا . قال : فهل أحصنت ؟ قال : نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اذهبوا به فارجموه . قال ابن شهاب : فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله . قال : فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه .

وقد عمل الإسلام على تخفيف وقوع الزنا ومحاولة الستر على مرتكبها ، وأن تتم التوبة بينه وبين الله تعالى ، فالأمر يرجع إلى الله تعالى يوم القيامة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه .

رابعًا - القواعد الشرعية المستنبطة من النصوص الواردة في اليسر

استنبط علماء الأصول من النصوص الواردة في سماحة الإسلام ويسره ، بعض القواعد وجعلوها معالم لعلم الأصول ، ونذكر منها قاعدتين أساسيتين ، هما :

1 - "المشقة تجلب التيسير" .

ومعنى هذه القاعدة الأصولية أن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه أو ماله ، فإن الشرع قد أجاز له عدم القيام بها .

وتعتمد هذه القاعدة الشرعية على الأدلة الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام التي سبقت الإشارة إليها خلال البحث من خلال بيان يسر الإسلام وسعته ورحمته بالعباد في العبادات والمعاملات وإتيان الرخص وغيرها .

والمشقة التي تجيز فعل المحظور وتجلب التيسير تلك التي فوق طاقة البشر ، فلا تتحملها النفس البشرية ، وإذا أخذ بها الإنسان تعرض للأذى والضرر في أساسيات حياته من النفس والمال والعقل والعرض .

وانبثقت عن هذه القاعدة الأصولية قواعد فرعية أخرى مثل : "إذا ضاق الأمر اتسع" ، أو "إذا اتسع الأمر ضاق" وغيرهما .

2 - "الضرورات تبيح المحظورات" .

والأصل الذي اعتمدت عليه هذه القاعدة الأصولية قوله تعالى : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ .

ويلحق بهذه القاعدة قاعدة أخرى هي بمثابة ضابط وقيد لها ، وهي : " الضرورات تقدر بقدرها " أي أن المباح من فعل المحظورات يكون قدر حاجة الإنسان بحيث ينتفي الضرر الذي يهدده ، فلا يتجاوز هذا القدر ، وإلا وقع في المعصية ، كالمقبل على الهلاك من العطش فلا يجوز له أن يشرب الخمر فوق ما يكسر عطشه ويخلصه من الموت ، فإن فعل ذلك فإنه آثم ويتحمل وزر شرب الخمر .

خامسًا - آثار الابتعاد عن منهج التيسير

للابتعاد عن منهج التيسير آثار خطيرة على الفرد والمجتمع ، ومنها :

1 - التكليف بما لا يطاق :
إن أي تشدد زائد في تطبيق أحكام هذا الدين وتكاليفه ، وأي تجاوز للخط الذي رسمه الله - تعالى - لعباده ، سيعرض صاحبه للوقوع في الحرج والمعصية ، وقد بيّن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام لأولئك النفر الذين حاولوا أن يكلفوا أنفسهم ما لا تطيق ، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا . وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر . وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني .

إن طبيعة الإنسان وفطرته لا تتحمل المداومة على القيام بأعمال تناقض هذه الطبيعة والفطرة ، فالنوم فطرة وغريزة لا بد للإنسان أن يشبعها ، فالذي يقل نومه لا يستطيع القيام بأعماله العلمية والدعوية والمعيشية في النهار ، وقد ذكر الله - تعالى - أنه راحة وسبات للإنسان في أكثر من موضع في كتابه العزيز : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا .

وكذلك الزواج الذي به تدوم الحياة ويزداد النسل البشري ، وهي سنة لا ينفك عنها الإنسان ، والذي يريد أن يمتنع عن الزواج يناقض فطرته ، ويسهم في تدمير الحياة ، ويخالف شرع الله - تعالى - الذي أوجب مبدأ الزواج وحث عليه في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة النبوية .

والأمر الثالث الذي أشار إليه الحديث الامتناع عن الأكل والصيام المستمر ، فهذا أيضًا ثقل على النفس وعبء لا يتوافق مع فطرة الإنسان وغريزته التي تميل إلى الاستمتاع بطيبات الله التي أخرجها لعباده من هذه الأرض .

فمن أجل ترسيخ مبدأ اليسر والسماحة في تطبيق هذا الدين أسرع النبي صلى الله عليه وسلم لإحضار هؤلاء النفر وبيان الخطأ الكبير الذي حاولوا أن يقعوا فيه ، وأخبرهم بعد ذلك أنه عليه الصلاة والسلام أخشاهم لله وأتقاهم له ، ولكنه لا يفرط في شيء على حساب آخر ، فينام ويصلي ، ويتزوج النساء ، ويصوم ويفطر ، وهذا هو الاعتدال والسماحة والسعة التي جاء بها هذا الدين العظيم .

2 - الفهم الخاطئ لهذا الدين :
إن الذي يتجاهل منهج التيسير والمسامحة في الإسلام يولد لديه قصور في فهم هذا الدين ، لأنه لم يفهم هذا الدين كما أراده الله - تعالى - لعباده ، وكما بيّنه لهم رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا الفهم الخاطئ مع مرور الزمن يمتد ليغوص في مجمل أمور الدين ومجالاته ، فلا يتوقف عند بعض العبادات أو أحكام معينة وإنما يتغلغل إلى الداخل حتى يتولد لدى صاحبه تصورات وأفكار بعيدة عن روح هذا الدين ، ويدعو الناس إليها ، ويحسب أنه يحسن صنعًا .

وهذه كانت حال الكثيرين ممن زهدوا في الدنيا فهجروا الطيبات ، وامتنعوا عن الزواج وتركوا الأموال والأولاد ، بقصد التفرغ للعبادة والدعوة ، فأدخلهم ذلك في ضلالات الشرك وترهات التصوف ، وأدخلوا في الدين ما ليس منه من الطقوس والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان . وما ذلك كله إلا بسبب تشددهم وتنطعهم الذي أدى إلى فهم خاطئ لهذا الدين وعدم إدراك منهج اليسر والسماحة فيه .

3 - الأثر السلبي على الدعوة إلى الله :
تميل النفس البشرية دائمًا إلى السماحة والسعة في كل شيء ، وتضيق ذرعًا بالمشقة والعنت في كل شيء أيضًا ، كما تميل هذه النفس إلى أولئك الناس الذين ينتهجون السماحة في حياتهم وتتعلق بهم أكثر من الذين ينتهجون خلاف ذلك .

ومعلوم أن من أهم عوامل نجاح الدعوة إلى الله - تعالى - أن يألف الناس الداعية ويحبوه ، وذلك من خلال فهمه لدين الله - تعالى - وطريقته لنقل هذا الدين بالصورة التي أرادها الله - تعالى - ورسوله عليه الصلاة والسلام ، وهو أمر ضروري في الدعوة ، فإن كان الداعية ممن ينتهجون السماحة والسعة في تبليغ الإسلام ومبادئه ، ولا يحمل الناس فوق طاقاتهم كما كان يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام ، فإنه على خير ودعوته تسير نحو النجاح والتوفيق ، وأما إذا شدد على الناس وكلفهم بما لا يطيقون ، كأن ينكر عليهم كل شيء ولو كان مباحًا ، ويحرم عليهم ما لم يحرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن هذا الداعية إنما ينفخ في الهواء ويسير نحو الفشل المؤكد ، لأنه بذلك خالف الشرع وطبائع البشر ، وتجاهل فطرهم ورغباتهم وحاجاتهم ، وتقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - بكل وضوح : ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه .

فالتشدد الذي في غير موضع التشدد ينفّر الناس من الدين ، ويجعلهم يسلكون مناهج أخرى في الحياة غير منهج الله ، وهذه هي طبيعة البشر ، تريد اليسر والسعة والسماحة ولا تطيق غيرها .

يقول أبو هريرة رضي الله عنه : بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعوه وهريقوا على بوله سَجْلا من ماء أو ذَنوبًا من ماء ، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين .

فلينظر الدعاة الذين يخالطون الناس ويعلمونهم أمور دينهم إلى هذا الموقف العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو القدوة والأسوة لنا إلى يوم الدين ، ليعلموا مدى الفسحة والسعة التي جعلها الله في دينه ، والحكمة في دعوة الناس إليه ، فهذا الأعرابي قادم من البادية لا يعرف للمسجد حرمة ولا قداسة ويظنه كسائر الأمكنة ، فأراد أن يقضي حاجته فيه ، فقام عليه الصحابة ليضربوه وينهروه على هذه الفعلة ، فأوقفهم رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام وجعله يكمل تبوله ، ثم أمرهم أن يريقوا على بوله دلوًا من الماء لتطهير المكان ، ثم أخذ الأعرابي برفق ولين ، وعلّمه أن هذه الأماكن بيوت الله أقيمت للذكر والصلاة ولا يجوز إحداث النجاسات فيها ، فحينها أحس الأعرابي بخطئه وندم على فعلته ، وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحكمته ولطفه معه ، مقابل سلوك الصحابة معه ومحاولتهم ضربه وتأديبه ، فلم يسعه إلا أن يقول : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي لقد حجرت واسعا يريد رحمة الله .

ومن أجل ذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا وأبا موسى رضي الله عنهما باليسر عندما بعثهما إلى اليمن فقال : يسّرا ولا تعسّرا ، وبشّرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا .

وهو القائل عليه الصلاة والسلام : إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة .

4 - ومن الآثار الخطيرة :
القول على الله تعالى ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، وتحميل الشرع ما لا يحتمل وفي هذا جناية أيما جناية ، جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : فمن رغب عن سنتي فليس مني ومن ثمَّ يوصف الدين بما ليس فيه .

خلاصة البحث

من خلال هذا السرد الموجز عن سماحة الإسلام ويسره في تطبيق الأحكام والقيام بالعبادات وغيرها ، نخلص إلى بعض النتائج والوصايا التي نجملها فيما يأتي :
1 - أن مبدأ اليسر والسماحة ثابت في هذا الدين ، وهو مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية ، لا ينكره إلا الجاهلون بأحكام الإسلام وحقيقة رسالته ، وهو مبدأ مأخوذ من النصوص الكثيرة الواردة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وآثار الصحابة والتابعين رضي الله عنهم .

2 - وسطية هذا الدين في كل جوانبه ، في العقيدة والعبادة والمعاملة والسلوك وغيرها ، وهو امتثال لقوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .

3 - الابتعاد عن هذا المنهج يورث آثارًا سلبية وأضرارًا خطيرة على عمل الإنسان وسلوكه في دينه ودنياه ، وربما يخرجه عن الصراط السوي إلى السبل المتفرقة ، والأفكار المنحرفة ، فتفتح أبواب البدع والمحدثات على هذا الدين ، ثم إن هذا الابتعاد عن منهج اليسر يؤثر تأثيرًا خطيرًا في حركة الدعوة إلى الله تعالى ، ولا سيما بين أولئك الناس الذين يكونون حديثي عهد بهذا الدين .

4 - وأخيرًا إن تقرير مبدأ المسامحة والتيسير في الدين لا يعني :

- الإخلال بمقاصد الشريعة والدين ، فلا يفهم من مبدأ التيسير أنه تفريط أو تسيب في تطبيق أحكام هذا الدين وتنفيذ أوامره ، لأن هذا اليسر لا يكون في إثم أو معصية كما روت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في حديث سابق : ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه . فيجب ملاحظة ذلك والحذر منه .

- ولا يعني هذا المبدأ تجاوز الحلال والحرام أو الإخلال بالمفاهيم الإسلامية والآداب العامة ، لأنه مبني أصلا على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الواضحة ، فليس في تقرير هذا المبدأ ابتداع أو إدخال أمر جديد في الدين ، لقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . وقوله تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ .

- ولا يعني إقرار هذا المبدأ تحكيم الأهواء والرغبات ، وتحقيق المصالح الشخصية من وراء ذلك ، فقد يستغله ضعاف الإيمان لتحكيم أهوائهم ورغباتهم ويجعلون هذا يسرًا أو سماحة ، بل اليسر والسماحة يجب أن تكون مبنية على مصادر التشريع الأصلية وهي القرآن الكريم والسنة والنبوية والإجماع .

وأخيرًا أسأل الله - تعالى - أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال ، وأن يرزقنا الفقه في الدين على بصيرة ، وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا إنه سميع قريب مجيب .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 



Add a Comment



Add a Comment

<<Home